لسان الدين ابن الخطيب
237
الإحاطة في أخبار غرناطة
فما لي لإمالتي « 1 » سوى حبّ أحمد * وصلت له من قرب قلبي وشائجا عليه سلام اللّه من ذي صبابة * حليف شجا يكنّى من البعد ناشجا ولو أنصفت أجفانه حقّ وجده * سفكت دما للدموع موازجا كتابته : وكتابته شهيرة ، تضرب بذكره فيها الأمثال ، وتطوى عليه الخناصر . قالوا : لما عقد أمير المسلمين أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن هود البيعة لابنه الواثق بالإمارة من بعده ، تولّى إنشاءها ، وجعل الحاء المهملة سجعها مردفا إياها بالألف ، نحو « صباحا » و « صلاحا » ، وما أشبه ذلك ، طال مجموعها فناهزت الأربعين ، وطاب مسمعها ، فأحرزت بغية المستمعين ، فكتب إليه أبو المطرّف ابن عميرة ، رسالته الشهيرة ، يداعبه في ذلك ، وهي التي أولها : « تحييك الأقلام تحيّة كسرى ، وتقف دون مداك حسرى » . ومنها في الغرض : « وما لك أمنت تغيّر الحالات ، فشننت غارتك على الحاءات ، ونفضت عنها المهارق ، وبعثت في طلبها السّوابق ، ولفظتها من الأفواه ، وطلبتها بين الشّفاه ، حتى شهد أهل اللسان بتزحزحها عن ذلك المكان ، وتوارت بالحلوق ، ولو تغلغلت إلى العروق ، لآثرتها جيادك ، واقتنصها قلمك ومدادك » . وهي طويلة . فراجعه بقوله : « ما « 2 » هذه التحية الكسرويّة ؟ وما هذا الرأي وما « 3 » هذه الرويّة ؟ أتنكيت من الأقلام ؟ أم « 4 » تبكيت من الأعلام ؟ أم « 5 » كلا الأمرين توجّه القصد إليه ، وهو الحق مصدّقا لما بين يديه ؟ وإلّا فعهدي بالقلم يتسامى عن عكسه « 6 » ، ويترامى إلى الغاية البعيدة بنفسه ، فمتى لانت أنابيبه للعاجم ، ودانت أعاربه « 7 » بدين الأعاجم ؟ وا عجبا لقد استنوق الجمل « 8 » ، واختلف القول والعمل ، لأمر ما جدع أنفه قصير « 9 » ، وارتدّ على عقبه الأعمى أبو بصير . أمس أستسقي من سحابه فلا يسقيني ، وأستشفي بأسمائه فلا يشفيني . واليوم يحلّني محلّ أنو شروان ، ويشكو مني شكوى اليزيديّة « 10 »
--> ( 1 ) في الأصل : « لإمالني » وكذا ينكسر الوزن . والإملة : الأمل . محيط المحيط ( أمل ) . ( 2 ) النص في نفح الطيب ( ج 10 ص 261 - 267 ) . ( 3 ) في النفح : « وهذه » . ( 4 ) في النفح : « وهذه » . ( 5 ) في النفح : « أو » . ( 6 ) عكس القلم هو : الملق . ( 7 ) في النفح : « أعاريبه للأعاجم » . ( 8 ) أخذه من المثل : « قد استنوق الجمل » أي صار ناقة ، يضرب هذا المثل في التخليط ، والمراد : تغيّرت الطباع . مجمع الأمثال ( ج 2 ص 93 ) ومحيط المحيط ( نوق ) . ( 9 ) هو مثل آخر ، قيل في قصة احتيال قصير بن سعد القضاعي على الزبّاء ملكة تدمر حتى أخذ منها بالثأر . محيط المحيط ( زبأ ) . ( 10 ) في النفح : « الزيدية » .